الثورة .. التي كادت أن تكون

Posted: 19/06/2011 in Uncategorized

تعهد: اعدكم اولا ان ما أهم بكتابته الآن لن يكون مثل آلاف الانطباعات والاراء والتحليلات والنظريات عن الثورة والتي كتبها من شاركوا ومن لم يشاركوا بالثورة .. ما اكتبه هو أقل من ذلك بكثير .. وغير ذلك تماما ..
وايضا اتعهد ألا يحتوي المقال إلى اي اشارة او توجيه مع او ضد الدستور اولا او الانتخابات اولا .. مجلس رئاسي ام بطيخي ,,إلخ
وما لا استطيع ان اعدكم به هو ان يكون كل ما اكتبه صحيحا .. انا فقط اكتب ما يعتمل في رأسي الآن والذي قد يتغير بعد ساعتين من كتابة او نشر الآتي ,, فلا تقيموه بما هو اكبر

أثناء المناقشات المحتدمة التي اندلعت عقب انطلاق “ثورتي” مصر وتونس قال لي صديق في خضم نقاشنا “ياعزيزتي الاصلاحيون مختلفون تماما عن الثوريين” والفكر الاصلاحي يختلف شكلا وموضوعا ومنهجا عن الفكر الثوري. ولم اعتبر ما قاله صديقي ذما في حقي .. بالبقطع أي شخص الآن يوصف بانه “ليس ثوريا” فهذه تهمة شديدة الخطورة ونقدا يتعدى مجرد التوصيف. ولكني اعتبرت

ان ما قاله صديقي في وصفي بشكل غير مباشر قد أصاب عين الحق.
ولهذا فانا اعترف ..اني شخص إصلاحي ولست ثورية. وهذا يعني انه الفكر والمنهج الذي اخترت بوعي ان اعتنقه والذي ينص في اطار ما ينص عليه على الاصلاح التدريجي، وتحقيق أقصى ما يمكن تحقيقه في ظل الظروف الحالية أيا كانت ومحاولة تحسينها قدر الإمكان. وهذا ما آمنت به وما كنت أفعله على الدوام. ولذلك حينما طلبت مني صديقة أمريكية في إطار مناقشة جماعية طريفة ان تشير باصبعها متحدية الجميع وسائلة إياهم من منكم الثوري؟ فكرت كثيرا قبل أن أهم برفع يدي والانضمام لزمرة “الثوريين” ولم أفعل. واندهش بعض اصدقائي ممكن يعرفونني وسألني أحدهم “بس انتي كنتي في التحرير” فرددت “وقبل التحرير كنت برضه في الشارع بس مش ثورية”.

اعترف اني لم أكن ابدا شخص ثوري يؤمن بالغيير الجذري الكامل وتحقيق المستحيل. فدائما ما كنت اؤمن بترقيع الثوب بدل من تمزيقه. وكل مظاهرة شاركت فيها من أيام حركة كفاية وقتما كان سكان منطقة باب اللوق يلقون بالماء من فوق اسطح المنازل على المتظاهرين ومرورا بمسيرة الوحدة الوطنية التي انتهت باعتصام القضاة وحتى مظاهرات خالد سعيد التي طارنا خلالها الامن المركزي وكلاب الداخلية المدنيين في الشوارع والحواري المحيطة بوزارة الداخلية .. طول الوقت كنت اؤمن ان ما افعله ليس “نضالا” على الإطلاق بل لا يفيد مصر ولا القضية في شيء ! كنت أرى انه “الواجب” يعني لازم تكون موجود للمساندة والتأييد لكن هذا لم يكن ليغير شيء في القضية موضع التظاهر وقد يفيد بعض التنفيس عن الغضب ولكنه لا يفيد مثلا في الضغط على الحكومة او السلطة ..إلخ
وقد تواجدت في الميدان يوم 25 لنفس السبب. لقد كان يوم “العكننة” على الداخلية وعشان “ننزل شوية رتب الشارع بدل المكاتب النضيفة اللي هم فيها.. ينزلوا في عيدهم يتمرمطوا شوية”! وايضا نزلت للرصد والمشاهدة وهم ما كتبته في تدوينة منفصلة عن ما أطلق عليه “ارادة الشعب” داخل وخارج حدود ونطاق المظاهرة.
ومن يوم 25 وحتى ليلة 10 من فبراير تغير موقفي اكثر من مرة وكونت مئات الاراء بشأن مئات القضايا.. ولم اكن بعد أفهم أبعاد كلمة الثورة. كانت تفكيري منصب على اقالة العادلي واعدامه وتفكيك امن الدولة (عندي تار بايت معاهم) واطلاق الحريات ..إلخ. ثم دخلنا جميعنا في دوامة رحيل مبارك الآن ولا كمان شوية ..إلخ. وقد كان رأيي في البداية ان يبقى الرجل حتى سبتمبر والذي ربما كان رأيا خاطئا لأنه لو بقى لم اكن لأبقى انا الآن وآلاف غيري كانت المعتقلات ستكون حافلة بهم ..إلخ

.. مش مهم دلوقتي. ولكن في النهاية لم اتمكن من استيعاب مفهوم “الثورة”…
وبعد تنحي مبارك بدأت لعبة السلم الموسيقي او السلم والثعبان، سمها ما شئت، بين الشعب والجيش والمجلس العسكري انشغلت تماما بفك تلاصم تفاصيل تلك العلاقة المتشابكة من جانب ومحاولة استيعاب تبعات التغييرات المتلاحقة التي يمر بها الكون من حولي والتأثيرات الدرامية الدامية على العلاقات الشخصية للبشر من حولي وكيف تحول اصدقاء الأمس لأعداء اليوم .. وبقى
مفهوم الثورة غامضا ملتبسا ومرددا بقوة.
ثم انطلق ربيع العالم العربي، وهو تعبير وضعته الصحافة لتجنب كلمة “ثورات” لأنه يبدو ان المصطلح ملتبس لدى الكثيرين أيضا. ولكن رياح التغيير طالت ليبيا واليمن وسوريا. واجراء المقارنات بدا أمرا بديهيا ..
ولأن تاريخ مصر لا يحوي ما يكفي لتعريف المصطلح .. فثورة 1919 كانت في واقعها تحركا ضد الاستعمار انتهى بالحصول على مطالب بشروط استعمارية أفضل ووعود بالاستقلال و1952 عرف او اكتشف جيلنا انها لم تكن سوى انقلابا عسكريا شيك تم بيعه وتسويقه في رداء ثورة لاحقا. إذا فتاريخ مصر حسبما اعرف لا يضم نماذجا يمكن ان تعرف مفهوم “الثورة” تعريفا دقيقا. فلجأت لبعض البحث غير المتخصص في تعريف الكلمة وبعض النماذج التاريخية.
وتشير كلمة ثورة في المعاجم المختلفة إلى الآتي:
1-حركة يقوم بها جسم فضائي في دورته في مدار، أو حركة الاجسام الفضائية في مدارها حول الأرض.
2-تغيير مفاجئ وجذري أو كامل: تغيير جذري في المؤسسة السياسية وخاصة اسقاط لحكومة او حاكم واستبداله بآخر. وتعني أيضا أي عمل من شأنه احداث هذا التغيير. وتعني تغيير جذري في الطريقة التي نفكر فيها او نتخيل أمر ما مثل ثورة تقنية المعلومات مثلا.

وتشير بعض التعريفات إلى عنصرين أساسيين للثورة السياسية:
-تغيير كامل من دستور لآخر
-تعديلات في دستور موجود بالفعل
وبالنظر لما تطلق عليه الصحافة العالمية وكتب النظريات والتحليلات في مفهوم “الثورة” والنماذج المستعرضة نكتشف ان الكلمة فضفاضة جدا ويمكن ان تطلق على أي تحرك شعبي بداية من ما عرف “بمظاهرات الحلل” في ايسلندا احتجاجا على تعامل الحكومة مع الازمة الاقتصادية وحتى اسقاط النظام الشيوعي في تشيكوسلوفاكيا ومروروا بحالات ما بين بين مثل “الحركة الاصلاحية” التي اتنهت بتنحي الرئيس الاندونيسي والانتفاضات الشيشانية واسقاط النظام التونسي الحاكم.

ما الذي قصدناه من الثورة المصرية:
والاجابة على هذا السؤال أمر ملتبس ايضا لانه لم يكن واضحا من البداية. فقبل اعوام من يناير 2011 نادى البرادعي مثلا ب”التغيير” والديموقراطية وقبله بح ألسنة حركة كفاية بكلمة (كفاية) ولم تكن هناك اشارة من بعيد او قريب بشأن إحداث تغيير جذري فلم يكن أي عاقل يحلم او يتخيل سيناريو يشمل رحيل مهين لمبارك واسقاط لحكومته وبعض نظامه ,,إلخ الاحداث. ولأن احد لم يتوقع لم يكن الكثيرين مهيئين بالفعل لما يحدث ومازال يحدث .. فانقلب الأمر إلى حالة التخبط التي تلقفها بفرح اي جهة اكثر تنظيما مني ومنك ومن كل من كانت مطالبهم عظيمة وغير معقدة تمثلت في “الكرامة” و”الحرية” و”العيش”. ولم اتخيل ان تكون تلك المطالب بمثل هذا التعقيد ! فالحلم لم يكن هكذا !!
فالكرامة لا تحتاج نقاش ولا جدل والحرية لا تتطلب حوارا وطنيا والعيش ليس مطلبا فئويا !
قامت حركة ثورية بلا قادة حقيقيين وبلا اتجاه محدد.. كانت هبة غضب خرجت عن السيطرة لعوامل كثيرة قد يكشفها التاريخ بينما قد يطويينا التراب.
ولأن ما نسعى إليه هو ثورة بمعنى التغيير الجذري والشامل وهو التعريف الذي ارتضينا اجماعا عليه,, فما يحدث الآن لا يمت للثورة التي قصدناها شيئا. فصحيح ان الرئيس تنحى بشخصه ونائبه ومدير اعماله ومكتبه وحكومته. ولكن النظام مازال قائما.

معضلة القيادة الوسيطة:
إن الشخص الذي يطلب منك رشوة وانت تستخرج رخصة قيادتك ليس وزيرا ولا متخذ قرار ولكنه بالكتير قوي مدير مصلحة او مدير مكتب.
إن الشخص الذي رفض استخراج توكيل لحزب سياسي لصديقتي لانه “حزب الكفار” لم يكن وزيرا ولا متخذ قرار بل موظف على مكتب
إن اللواء أو العقيد الذي يتخذ قرار فض الاعتصام او المظاهرة في كل مرة من 2005 وما قبلها وما بعدها لم يكن سوى لواء في الداخلية وليس واضح سياسات ولا متخذ قرارات سيادية
إن الضباط الذين انتهكوا كرامة المصريين وعذبوهم لم يكونوا سوى ضباط شرطة ولم يكن احدهم وزيرا ولكنهم نفذوا سياسات وزيرهم بمنتهى الحماس والاقبال والتفاني في التعذيب والانتهاك
إن الموظف الذي هرب الدقيق وتاجر به في السوق السوداء مجوعا آلاف من المواطنين الذين فقد عشرات منهم حياتهم طلبا لقطعة خبز في طابور العيش لم يكن وزيرا ولا صاحب قرار سيادي
إن استاذ الجامعة الذي أهان طلبته وتعامل معهم بمنطق الأمن او بمنطق عبيد احسانات الدكتور لم يكن وزير التعليم
إن مدير القطاع الاخباري في القناة الاخبارية الحكومية الذي كان يهتم باخبار جولات جمال في مختلف انحاء الجمهورية ويتجاهل مقتل الالاف في العبارات والقطارات وطوابير العيش رغم قدرته على الالتفاف على قرارات وزيره لم يكن وزير الاعلام ولكنه كان ينفذ سياسات رئيسه بحرفية وتفاني يحسد عليهما
وايضا تقول التقارير غير المؤكدة انه حينما صدر أوامر لضباط الجيش بإطلاق النار على المتظاهرين رفض الضباط وقادتهم المباشرين تنفيذ الأمر الصادر من أعلى قبل تنحي المخلوع. انه ايضا كان قرار القيادة الوسيطة !
انها أزمة القيادة الوسيطة في مصر ! التي لم تزرها الثورة بعد
مديرو المكاتب ومديرو المصالح الحكومية ورؤساء الاقسام في الجامعات ورؤساء القطاعات الاخبارية .. وكل رأس صغير في المنظومة المهترئة لم يتغيروا بعد .. ولذلك لن تتغير المنظومة ولن يتغير أسلوب العمل بها.
انها تفاصيل تافهة للثوار المفعمين بالحماس والحب والطهر الثوري المقدس والانطلاق ومحملين بآثام الثورة وجرائمها وكل خطأ سيحدث في السنوات العشر المقبلة سيتحمل وزره هؤلاء المساكين .. وفي خضم اللوم والتقديس وكاميرات الاعلام تتوه التفاصيل .. وتبقى القيادة الوسيطة .. تلك الاداة الحقيقية التي يحكم بها من يريد ان يحكم. تلك هي الاداة الحقيقية لنشر الفساد وانتشاره وتوغله.
غدا قم باختيار أي حكومة .. مهما كانت وستحكم وسيبقى الأمر على ماهو عليه .. لان القيادة الوسيطة هي الحاكم الفعلي، هي المنفذ الأمين للسياسات وطالما لم تتغير المناهج ولا مدرسوها ستبقى المنظومة كما هي.
امنحنا بضعة أشهر وسنحول الثورة إلى لعنة بالروتين والفهلوة والالتفاف الكامل على كل قرار وفكرة ومقترح ..
امنحنا بضعة أشهر وستختفي الثورة تحت أكوام من الاجراءات والقرارات والتعديلات والأختام !! بضعة أشهر فقط ..وسنبقى نسخدم كلمة ثورة ولكن مفهومها ومعناها سيختلفان تماما ..
سيتحول من احداث تغيير جذري .. إلى الدوران في مدار حول محور !

Comments
  1. احسن ما كتبتبه يا ماريان واصدقه واكثر شجاعه انا كمان ثورية وده شيئ بفتخر بيه
    في ناس شاطرة في الهدم وناس مهمتها البنا والتغيير محتاج هدم وبنا مش هدم بس…انا كمان سمعت الكلام بتاع الحديث الاصلاحي في الزمن الثوري عته
    الحقيقة ما بقتش اضايق اطلاقا وعمري ما حملت الثورة اكتر من ما تحتمل ولا توقعت منها اكثر من المتوقع..لسه الرشاوي والفساد شغال في الفئات الصغري من الموظفين لسه الجهل لسه التعصب والطائفية ودي مش اخطاء النظام ولا سوء توزيع للموارد انها الرغبة الانسانية الحقيرة في كسر القانون وتحدي النظام والكسب بالسبهلله طالما ده متاح..لاحظي مثلا مافيا البنا غير المشروع وانتهاك ااراضي الزراعية…الناس في اكتئاب ما بعد الثورة مش متخيلة ان التضحية محققتش المرجو منها…المرجو ده محتاج بنا مش بمزيد من الهدم

  2. upstairscoffeeshop says:

    اول تعليق بعد العزال🙂 النقلة صعبة قوي
    خطأنا الأكبر ممكن يبقىفي اعتقادنا اننا بلغنا ان الكمال
    وان النقاء الثوري سيعم البلاد
    الناس محبطة للسبب ده دلوقتي

  3. مقال مُتوازن
    رُبما كان أكثر ما لفت نظري فيه – وأحييكِ عليه بشدة – هو الحديث عنالطبقة المُتوسطة التي تتحكم وتُسيّر الأمور فعلياً وما أكثرهم، وهذه الطبقة هي بالفعل أدوات الوزراء الحقيقيين، وسيظلون هُم المُعضلة الحقيقية في هذا البلد

    وبمعنى آخر، مهما تغيّر الوزراء والقمم من أعلى، فلن نلمس تغييراً جذرياً طالما أن هذا التغيير لم يلمس تلك الطبفة التي تتحكم وتُسيّر الأمور بالفعل، وهو أمر صعب للغاية، وتهذيبهم يحتاج إلى وقت طويل جداً

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s