ميدان التحرير: شهر العسل الذي لم يدم طويلا

Posted: 22/07/2011 in Uncategorized

مقالي كمساهمة في كتاب (كنت هناك) اصدار مؤسسة فريدريش ناومان
لينك لتحميل المقال

التحرير-المواطنة: شهر العسل الذي كان
حلم المواطنة في التحرير وخطر الطائفية خارجه

لم تكن المشاركة في الاحتجاجات والتوجه لميدان التحرير يوميا امرا سهلا على اي شاب قبطي متدين مثلما هو بالنسبة لآخر لا يتردد على الكنيسة باستمرار او حتى شاب غير قبطي.

فالقرار بالنسبة للقبطي بالمشاركة كان بمثابة اعلان عصيان لتوجيهات مباشرة من الكنيسة كان تقتضي بعدم المشاركة. ولم تعلن الكنيسة بشكل مباشر رفضها للثورة ولكنها في الحقيقة تحايلت على الأمر بأن أعلنت يوم الخامس والعشرين يوما عاما للصلاة. وطالبت رعاياها بالبقاء في المنزل والصلاة من أجل مصر ومن أجل السلام.

وكان الدافع المعلن هو التهدئة والخوف من تجدد الاحتجاجات والاحتكاكات بالأمن خاصة وانه قبل 25 يناير كانت المواجهات قد بدأت بالفعل بين الامن والمتظاهرين من الاقباط والنشطاء من المسلمين في كل من العمرانية وشبرا بالقاهرة والاسكندرية إثر حادث تفجير كنيسة القديسين بالاسكندرية وما تبعه من تلكؤ وتباطؤ في المعالجة الامنية للموقف ثم أحداث العمرانية التي شهدت وللمرة الاولى اعمال تخريب وصلت حتى مبنى محافظة الجيزة. بينما تمكن المحتجون في حي شبرا المكتظ بالسكان من السيطرة على شوارع بأكملها ومنع جنود الامن المركزي من الدخول إليها.

كان ذلك قبل 25 يناير وقبل ان ينكسر حاجز الخوف من التعامل الامني. تلك الاحداث التي اعتبرها البعض نواة اولى للثورة فقد كانت المرة الاولى التي ينتصر فيها المحتجون “جزئيا” على جحافل الامن المركزي.

للاسباب السابقة جاء الدافع المعلن للكنيسة بعدم المشاركة، وربما يكون الدافع غير المعلن هو “تعليمات” أمنية بعدم المشاركة كإجراء عادي في محاولة السلطات الامنية تحجيم المشاركة والسيطرة على الاحداث. فلم يكن اي ممن شاركوا او لم يشاركوا يتوقعون ان المظاهرات كانت ستؤدي إلى اسقاط النظام. ولكن للدافع المعلن وغير المعلن والاتصالات المستمرة مع الجهات الامنية التي تتعامل مع الكنيسة على انها الممثل الاعلى للاقباط والمتحكم في شؤونهم وهو خطأ جسيم تتحمل تبعاته الكنيسة والقائمين عليها اولا وهي جريمة ارتكبها الطرفين في حق المصريين جميعا أدى إلى مطالبة الكنيسة للاقباط بالصلاة من أجل السلام في المنازل.

ولهذا كله لم يكن سهلا على اي قبطي يتردد على الكنيسة باستمرار اتخاذ قرار المشاركة، أما من لا يتردد على الكنيسة فلم يعرف بالتعليمات إلا من الصحف ولم يكن الامر مهما كثيرا بالنسبة له.

وبينما اكتفت الكنيسة الارثوذكسية “بالصلاة” اثناء الثورة فيما شارك رعاياها كأفراد شاركت كنائس مصرية اخرى بتمثيل اكثر “علانية” وتمثل في مشاركة أحد فرق الترانيم بالكنيسة الانجيلية حيث رتلوا الترنيمة الاشهر الآن “بارك بلادي”.

وتباينت مشاعر الجميع طيلة ال18 يوما داخل وخارج الميدان مع تلاحق احداث لم يعهدها جيلنا بأكمله ولم تشهد مصر لها مثيلا. وكلما ذكرني احدهم بمشاركة الاقباط في الاحتجاجات تذكرت الصورة الاشهر تداولا في وسائل الاعلام وهي لشباب يحاوطون مجموعة من المتظاهرين اثناء صلاة الجمعة وقد ظهر في ايد احدهم صليبا صغيرا موشوما على يده اليمنى. واستدل الكثيرون بتلك الصورة على مشاركة الاقباط ضمن صور اخرى شهدت اشخاصا يتجولون يحملون مصحفا وصليبا ..إلخ وذلك بعد ان ترددت انتقادات لعدم مشاركة الاقباط وغيابهم الكامل عن التحرير وهو ما لم يكن صحيحا بالكلية حيث انه من المستحيل التمييز بين القبطي والمسلم من حيث الشكل فكلاهما لونا واحدا ويرتدون نفس الملابس ومع تكرار المبيت في الميدان نبت للجميع لحى متفاوتة الاطوال !

ولكن هذا لا ينفي ان نسبة كبيرة من الاقباط لم يشاركون، بل ان كثير منهم تحول ضد الفكرة بعدما تأكد انها “ثورة” حيث بدأت مشاركة كثيفة من الاخوان المسلمين وحضورا مكثفا من السلفيين في الميدان وهو ما أثار مخاوف وشجون قبطية كثيرة. ان المسيحيين المصريين مثلهم مثل اي مصري آخر هو ابن لاعلام وتعليم أفرزه نظام فاسد اعتمد على القمع في السيطرة على التطرف الفكري وليس معالجته واستغل فزاعة التطرف والاخوان “واللحى والجلاليب القصيرة” في السيطرة على الاقباط وحبسهم داخل الكنيسة بمباركة من الكنيسة نفسها التي ابتعلت نفس الطعم وازعجتها الفزاعة .. التي تبين انها لم تكن فزاعة فقط وان خلف ذلك الدخان الكثيف بعض الشرر.

بعد سقوط النظام او رؤوسه بدأت الامور تتخذ منحى مختلف صادف توقعات بعض الاقباط المتشائمين بنسب متفاوتة. فلم يكن من المنطقي ان ننتظر ان تتحول مصر إلى يوتوبيا ينعم سكانها بالحرية والايجابية والديموقراطية والنظافة والنظام وكل القيم الجميلة دفعة واحدة في عدة أشهر. فبعد مرور عدد من الايام والتي اتجه الجميع خلالها للتعبير عن كل القيم المفتقدة من الاهتمام بمصر والالتزام والوطنية والايجابية تمثل اغلبها في تنظيف الشوارع ورفع علم مصر الذي ظل طيلة 30 مهانا ومكروها من الناس ودهان الأرصفة والابتسام في وجه الجميع فرحا بالنصر والحرية وترحيبا بعودة الاستقرار والامان وبدء عهد جديد ليس فيه امن دولة ولا شرطة فاسدة. بل كاد صديق اوروبي ان يقسم انه شعر عند عودته للبلاد وقد غادرها مسرعا اثر اندلاع المظاهرات ان قامة المصريين طالت ببضعة سنتيمترات منذ اخر مرة زار فيها البلاد.

انتهى شهر العسل الوفاقي سريعا بين الجميع، فصورة الصليب والمصحف والشيخ والقس والملتحي الذي يغني لمنير بجوار فتاة اطلقت شعرها الطويل للريح لم تستمر طويلا خارج التحرير. فأخلاق الميدان لابد لها من ثورة حقيقية خارج الميدان أيضا. وبدأ الجميع يتسائل عن صورة سالي بالحجاب وبدونه، وان الله انتصر والنصر لله في الثورة. واجتمعت الجماعة الاسلامية للمرة الأولى في أسيوط منذ 30 عاما، وخرج مئات السلفيين واعضاء الجماعات الاسلامية المسلحة من السجون من بينهم عبود وطارق الزمر المتهم بقتل الرئيس الأسبق محمد انور السادات. ووصل الأمر حتى الافراج عن شيقيق ايمن الظواهري ثم القبض عليه بعد أقل من 48 ساعة بعد اكتشاف حكم بالاعدام صادر بحقه.

ومر خبر عودة 3000 من العناصر الجهادية من الخارج إلى مصر مرور الكرام في ظل زخم من الاخبار التي لا يمكن تصديقها او استيعابها او حتى استيعاب أثرها على مصر. لنا ان نتخيل الآن ما الذين يفعله ثلاثة آلاف عنصر من الجماعات المسلحة في مصر الآن؟ ما سبب عودتهم؟ وما الذي ينوون فعله ؟

وبدأت الصورة تأخذ ابعادا مختلفة، ودب نشاط عنيف في صفوف التيارات السلفية التي أفاقت وبدت منتشرة في كل بقعة في مصر كما لو كانت الثورة قد ايقظت خلاياها النائمة او المقموعة من قبل اجهزة الامن السابقة.

كان الاستفتاء على التعديلات الدستورية هو الحدث الأبرز في السباق الطائفي في مصر. فدعايا الاخوان المسلمين التي ركزت على الاستقرار و”الواجب الشرعي” للتصويت بنعم على الاستفتاء، وتمادي بعض التيارات السلفية لتكفير من يصوت بلا بل ونقلوا المعركة لميدان المادة الثانية من الدستور. فانتشرت دعاية محذرة بالمساس بالمادة الثانية والتي تمثل الهوية الاسلامية لمصر. فأصبح الاستفتاء على التعديلات الدستورية هو استفتاء على بقاء المادة الثانية للدستور والتي لم تكن قيد التعديل من الاساس. بينما ردت الكنيسة التي يشعر القائمين عليها بتخبط وتوتر واضحين بمعركة مقابلة ركزت على تعليمات واضحة لضرورة التصويت بلا، انطلاقا من مبدأ انه اذا قال الاخوان نعم إذن يجب ان نقول لا. ثم بدأوا هم أيضا في الحديث عن الدولة الدينية. فنزل الالاف لصناديق الاقتراع يبحثون عن الدائرة التي كتب فيها نعم والدائرة التي كتب فيها لا. ولا تسألن عن السبب !!

ولم يكن الاستفتاء وردود الفعل التي تلته سوى أول الغيث، بل أول السيل. فرأينا اجتماعات ومؤتمرات شعبية علنية للاخوان المسملين للمرة الاولى، وأم أئمة السلفيين جموع المصليين في عدد من اكبر المساجد في القاهرة والمحافظات. وانتشرت تصريحات شيوخ السلفية ملء سمع وبصر الاعلام المصري وفتحت لهم القنوات الفضائية ابوابها ومنابرها لنسمع ونرى للمرة الاولى ما يخيف الجميع.

ولم يتوقف الامر بالقطع عند التصريحات والتغطية الاعلامية، ولكن بعد حادث كنيسة أطفيح الذي جدد غضب الأقباط خاصة ووساطة محمد حسان لدى أهل القرية “للسماح” بإعادة بناء الكنيسة واعادة من طردوا من سكانها في غياب كامل للامن والقانون !.
بدأ المجتمع بأكمله يتنبه لما لم يكن متوقعا طوال الثورة. وهو ضريبة الحرية المفاجئة بعد قيام الثورة.

لسنوات طويلة اعتمد النظام السابق على سياسة القمع الأمني، الفكر الأمني الذي اعتمد عليه النظام السابق لسد اي عجز او فشل في التعامل مع المشاكل التي صدعت أركان المجتمع المصري. واعتمد النظام السابق على نفس السياسة مع جماعات الاسلام السياسي والجماعات المسلحة التي وجدت في المجتمع المصري الذي يعاني من الجهل والتخلف مرتعا خصبا لفكرهم ونشاطهم. فما كان النظام السابق إلا ان بسط يده القاسية للقمع. وبدلا من ان يواجه الفكر بالفكر، ويواجه التطرف بالتنوير والجهل بالعلم، أطبق بعنف معتمدا على حل الداء بدفن المرض بدلا من علاجه.

فما كان منهم مع أول دقات انهيار تلك القبضة الامنية إلا ان نهضوا ونشطوا ليطالبوا بمكانا لهم “ولفكرهم” تحت شمس الحرية. ولم تكن واقعة قطع أذن قبطي لاتهامه بتأجير شقة “لساقطتين” وطرد امرأة من مسكنها لاتهامها بالدعارة هي حوادث فردية ولكنها في الحقيقة نتاج فكر كان ينمو في الخفاء ويتغذى على الخوف والقهر والجهل.

وبتنا نتسائل ما هي السياسة المناسبة للتعامل مع تلك التيارات الفكرية المتطرفة التي تطالب بجر مصر إلى عصور ما قبل النور. فقد أثبت التاريخ فشل السياسة الامنية والقمع، وبتنا في حاجة ماسة لابتكار سياسة مواجهة حقيقية مع تيارات تغلغلت في بعض القطاعات في المجتمع المصري وباتت تهدد أغلى ما نملك وهو الحرية التي استعدناها واشتريناها بدم ثمين.

وبدأ المجتمع ينتبه إلى حقيقة مخاطر الحرية التي يجب عليهم ان يقبولها ويتعاملوا معها. فتصريحات شيوخ مثل يعقوب وحسان وغيرهم عن تكفير البرادعي، او تعريف العلمانية بأنها انحلال اخلاقي وخلع النساء للحجاب، وغزوة الصناديق، والدعوة لانشاء شرطة حسبة للحث على الفضيلة والنهي عن المنكر ليس وليدة صدفة وليست من قبيل العبث او الفكاهة رغم تندرنا عليها ليلا ونهارا ولكنها وياللصدمة لها مستمعيها ومعتنقيها ايضا وهم كثيرون.

أفاقت النخبة الثائرة من الشباب الذين آمنوا بالمستحيل من أحلام الثورة المثالية وأجواء النضال المقدسة التي دشنوها بثمن باهظ بدماء شهداء دفعوا حياتهم ثمنا للاصرار والرغبة في الحرية.

في اللحظة التي اعتقدت فيها تلك النخبة ان عليها ان تستريح، فقد ثارت وأسقطت النظام وحققت الحلم وصارت الحرية ملك اليدين، اكتشفت ان الحرب لم تبدأ بعد، وان ما مر هو معركة كبرى أسفر عنها فتح لكافة جبهات القتال واتضاحها. وانه في الوقت الذي يحاولون فيه استيعاب ما حققوه وجدوا انفسهم في مواجهة سلسلة معارك أخرى و”ثورات” لم تقم بعد.

فالحرية التي قاتلوا لأجلها قد تتبخر في لحظات بطرق أخرى. بينما وجدت النخب المثقفة في مصر التي طالما عاشت في ابراجها العاجية انفصالا وتعاليا على المجتمع ولعدم القدرة على التواصل معه.

والنخبتين، تلك التي آمنت بالمستحيل وتلك المنفصلة عن الواقع، وجدتا نفسيهما أمام خطر ضياع الفرصة التاريخية. فالجماهير التي لم تغتسل في مطهر الميدان هي التي ستحدد مستقبل النخبتين. ولذلك فإن أمام الجماعتين تلك الوليدة التي تحاول استيعاب الحدث الأكبر من اعمارهم مجتمعة وتلك التي عاشت منفصلة عن الواقع حتى دب اليأس في اوصالها معارك حقيقية لانقاذ وطن من براثن تيارات فكرية نمت في غفوة من الحضارة والتنوير وامسكت بتلابيب مصر منذ 30 عاما وها هي تحاول سحبها لهوة سحيقة ستفقد مع اول سقطة فيها أهم ما حققته في ثورة التحرير.

Comments
  1. وزاد الامر سوءا وصعوبا ما وقعت فيه النخبتان ومعها باقي القوي السياسية من تناحر وتصارع ومطالب غير متفق عليها في انصراف وانفصال رجل الشارع الذي حضر الميدان في اول طهره او حتي هتف من نافذه بيته ان امنه ومصالحة ستكون امام عين هذه النخب والقوي فعاقب تلك النخب بالنصراف الي حياته الخاصة وشأنه وهو اقص عقاب قد يعاقب به المواطن اي قوي سياسية ان يفقدها قوتها وزخمها

  2. وزاد الامر سوءا وصعوبا ما وقعت فيه النخبتان ومعها باقي القوي السياسية من تناحر وتصارع ومطالب غير متفق عليها في انصراف وانفصال رجل الشارع الذي حضر الميدان في اول طهره او حتي هتف من نافذه بيته ان امنه ومصالحة ستكون امام عين هذه النخب والقوي فعاقب تلك النخب بالنصراف الي حياته الخاصة وشأنه وهو اقص عقاب قد يعاقب به المواطن اي قوي سياسية ان يفقدها قوتها وزخمها

  3. upstairscoffeeshop says:

    دلوقتي مابقاش باقي اي نخبة .. كل خايف يتحرك ..التخوين والضبابية هي سيدة الموقف

  4. عنوان مُناسب لواقع مرير
    وأرى من وجهة نظري أن النُخَب
    أو من نخَّبوا أنفيهم علينا عُنوة
    هُم السبب الرئيسي لما يحدث الآن
    وأنهم لا يرتقون لمنزلة أن نعتبرهم نُخباً أصلاً
    فلو كانوا نُخباً بحق، لكانوا من أوسع الناس أُفقاً للدراية بكُل تلك الأمور والإستعداد لمُجابهتها
    لكنهم للأسف والحسرة، ينشغلون بأمور أُخرى لا تدل على شيء سوى أنهم على درجة عالية من السوء لا تختلف كثيراً عن هؤلاء الذين نشتكي منهم ومن تصرفاتهم

    • upstairscoffeeshop says:

      النخب اثبتت انها فاشلة جدا .. ليس لديها بضاعة تبيعها من الاصل ..الاقباط اليوم اكثر احباطا وانزعاجا من ايام الثورة
      فاسوأ توقعاتهم تحققت !

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s